العلامة المجلسي

127

بحار الأنوار

بعيدا ، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ، والذي صدق قوله ونجز ( 1 ) وعده لا خلف لذلك فإنه يقول : " ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ( 2 ) " فاتقوا الله في عاجل أمره ( 3 ) وآجله ، في السر والعلانية ، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ، ويعظم له أجرا ، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما ، وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه ( 4 ) ، وإن تقوى الله تبيض الوجوه ، وترضي الرب ، وترفع الدرجة ، خذوا بحظكم ، ولا تفرطوا في جنب الله ، فقد علمكم الله كتابه ، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين ، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم ، وعادوا أعداءه ، وجاهدوا في الله ( 5 ) حق جهاده ، وهو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، ولا جول ( 6 ) ولا قوة إلا بالله ، فأكثروا ذكر الله ، ( 7 ) واعملوا لما بعد الموت فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما يبنه وبين الناس ، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ، ويملك من الناس ولا يملكون منه ، الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( 8 ) " . فلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة ( 9 ) انتهى .

--> ( 1 ) نجز ونجز الحاجة : قضاها . نجز بالوعد : عجله . وفى تاريخ الطبري : انجز . ( 2 ) ق : 29 . ( 3 ) في المصدر وفى تاريخ الطبري : أمركم . ( 4 ) في تاريخ الطبري : تقوى في المواضع . وكذا الافعال الآتية بعد كلها بالتذكير . ( 5 ) في المصدر : في سبيل الله . ( 6 ) خلا التاريخ عن قوله : ولا حول . ( 7 ) في نسخة بعد ذلك : واعلموا انه خير من الدنيا وما فيها . ( 8 ) في المصدر . الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ومثله تاريخ الطبري الا انه خلا عن كلمة : العلى . ( 9 ) مجمع البيان 10 : 286 و 287 . أقول : ذكر ابن هشام والمقريزي أول خطبته صلى الله عليه وسلم في السيرة وإمتاع الأسماع والمذكور فيهما يخالف ذلك ، وهي هكذا قالا : وكانت أول خطبة خطبها [ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني عن أبي سلمه بن عبد الرحمن : نعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يقل - السيرة ] أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم ، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه - وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه - ألم يأتك رسولي فبلغك ؟ وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا . ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم ، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق [ بشقة - الامتاع ] من تمرة فليفعل ، ومن لم يجده [ يجد - الامتاع ] فبكلمة طيبة ، فان بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة شعف . والسلام عليكم [ وعلى رسول الله ] ورحمة الله وبركاته . في الامتاع : والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته . قال ابن هشام : قال ابن إسحاق : ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقال : ان الحمد لله ، أحمده واستعينه ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ان أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى ، قد أفلح من زينه الله في قلبه ، وادخله في الاسلام بعد الكفر واختاره على ما سواء من أحاديث الناس ، انه أحسن الحديث وأبلغه ، أحبوا ما أحب الله ، أحبوا الله من كل قلوبكم ، ولا تملوا كلام الله وذكره ، ولا تقس عنه قلوبكم ، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي ، قد سماه الله خيرته من الاعمال ، ومصطفاه من العباد والصالح من الحديث ومن كل ما اوتى الناس من الحلال والحرام ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، واتقوه حق تقاته ، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابوا بروح الله بينكم ، ان الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم .